عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

13

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

كتاب العقائد وفضل الذكر والقرآن وآيات منه وسور ( اعلم ) : وفقني اللّه وإياك لما يرضى ، أنه يشترط لصحة الإيمان صحة العقيدة ، وهي أن تعلم أن اللّه تعالى حي عليم قادر سميع بلا أصمخة وآذان ، بصير بغير حدقة وأجفان ، متكلم بغير شفة ولسان ، مدبر للكائنات بأسرها ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه تعالى منزه عن فوق يرفعه ، وعن تحت يخفضه ، وعن عرش يحمله وعن سماء تكتنفه ، وعن غمام يظله ، وعن جهة تحده وعن مكان يقله . قال الإمام أبو حنيفة رضي اللّه عنه لما سئل عن قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] قال : من حصر اللّه تعالى في الجهة الفوقية أو التحتية فقد كفر . وقال الإمام مالك رضي اللّه عنه : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن ذلك بدعة . وقال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه لما سئل عن ذلك : آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل . وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه : استوى كما قال لا كما يخطر بالبال . وقال الشبلي رضي اللّه عنه : الرحمن لم يزل والعرش محدث وهو بالرحمن استوى . ( وسئل ) ذو النون المصري رضي اللّه عنه عن ذلك فقال : أثبت ذاته وأنف مكانه ومهما تصور في نفسك فاللّه بخلافه . وقال الجنيد رحمه اللّه : أشرف كلمة في التوحيد ما قاله أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته . وقال أبو محمد الجويني رضي اللّه عنه : العرش مخلوق من درة بيضاء وهو بالنسبة إلى اللّه تعالى أحقر من ذرة فكيف يكون مستقره ؟ وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي رضي اللّه عنه : ذهب الأكثرون إلى أن معنى الاستواء هو القهر والغلبة أي الرحمن غلب العرش وقهره وخصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات . وذكر أهل السنة للاستواء معنى آخر وهو العلو فقال تعالى : عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الأعراف : 190 ] ولم يوصف بالارتفاع لأنه كان ولا عرش ولا غيره . وقال جعفر الصادق رضي اللّه عنه : من زعم أن اللّه تعالى في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك به إذ لو كان على شيء لكان محمولا ، ولو كان من شيء لكان محدثا ، ولو كان في شيء لكان محصورا تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . ( والجواب ) : عن قوله تعالى : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [ الملك : 16 ] أن كل شيء عال يسمى سماء ، وخاطبهم بذلك على زعمهم أن الآلهة في الأرض هي الأصنام وأنه تعالى إله السماء وليس مقصوده سماء الدنيا ولا غيرها بل معناه أأمنتم من في العلو وهو علو الجلال كما يقال : السلطان أعلى من الأمير وإن كانا على فراش واحد ، ومثله قوله تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [ الأنعام : 18 ] فالفوقية هنا فوقية عظمة ومنزلة ، ألا ترى إلى فرعون كيف وصف نفسه بالتعاظم على بني إسرائيل فقال : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ